الثلاثاء، 24 أبريل 2012

عن الأغلـبية والأقلـية ،،، التـوافق والإقصـاء ،،، والدسـاتير وسنينها



الدساتير لا تضعها الأغلبية  المتغيرة، البرلمانات لا تكتب الدستور ، الدستور يكتب بالتوافق، الدستور يجب أن يعبر عن "الجميع" دون إقصاء و لم يحدث بأي دولة في العالم أن وضعت الأغلبية المؤقتة الدستور
هذه طبعا كلها صارت بديهيات ومسلمات لا مراء فيها عند كل مصري يقرأ الصحف ويتابع الإعلام منذ ما قبل استفتاء التعديلات الدستورية في مارس 2011 وأصبحت مخالفتها نوعاً من التجديف أو الهرطقة الفكرية والسياسية.



إلا أنه وبما أني من المهرطقين فيما ينشره أهل الإعلام من دين رأيت وقد احتدمت المعركة حول تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور مستندة إلى الأساطير التي بدأت بها هذه التدوينه قررت أن أمارس تجديفي هذا في دين النخبة الإعلامية والثقافية المصرية كالعادة.

ولن تعني محاولتي لرد تلك الأباطيل أبداً رضاي التام عن المعايير أو السرعة أو التشكيل النهائي الذي تم تكوين الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور المصري (لأن لي تحفظات محدده على كل ذلك) ولكن اعتراضي ينصب أساسا على أمرين، أولهما الدفوع التي تستخدم ضد الجمعية التأسيسية والمبنية على فرضيات وجوب انفصالها عن شكل وطبيعة الأغلبية البرلمانية المنتخبة وثانيهما الدفوع ضد أحقية الأغلبية البرلمانية المطلقة في تشكيل الجمعية التأسيسية وفق ما تراه ملائماً.

وقبل أن أشرع في الحديث عن الدساتير، أريد أن أؤكد أن الدساتير على أهميتها ليست سوى نصوص ورقية تكمن قوتها الوحيدة في مدى إيمان الشعوب بها ومدى استعدادهم للتضحية دفاعاً عنها لذلك فالواقع الشعبي وموازين القوى على الأرض أقوى دائماً من أي نصوص دستورية، والأمثلة على ذلك كثيرة فالمملكة المتحدة أقدم ديمقراطيات العالم ليس لديها دستور مكتوب، ومسألة قصر ترشح الرئيس على مدتين فقط في الولايات المتحدة ليس سوى تقليد سنه جورج واشنطن دون نص دستوري (وقد خالفه روزفلت بالترشح لأربع فترات متتالية لظروف الكساد والحرب العالمية الثانية) كما أن الدستور المصري السابق لم يكن أبداً ينص في أي بند من بنوده على حق النظام في تزوير الانتخابات أو تعذيب المعارضين (بل على العكس تماما) ورغم ذلك فإن التزوير والتعذيب لم يتوقفا قط في ظله. وأيضاً لم ينظم الدستور أبداً تخلي الرئيس عن الحكم استجابة لثورة شعبية لكنه فعلها رغماً عن أنفه وأنف دستوره.

وبعد أن أمارس هرطقتي تلك على المستوى العقلي سأتبعها باستقراء تاريخي لعملية وضع وتعديل الدستور الأمريكي وما نتج عنها من تطورات وتضاغطات وتعديلات داخل الولايات المتحدة وفي الدستور

أولاً: الأغلبية لا تضع الدستور

كلما حاولت أن أعرض هذه الفرضية على عقلي الذي خلقه الله اصطدمت بأي تمرين عقلي بسيط أحاول فيه أن أتصور طريقاً عملياً وحيداً لإنفاذ هذا المبدأ وصارت الفكرة هباءً منثورا سواءً فيما خص نصوص الدستور نفسها أو فيما خص تكوين اللجنة أو الجمعية التي تكتب هذه النصوص.
ذلك أن العبد لله، لم يعلم أبداً عن دستور واحد لأي دولة من دول العالم في أي حقبة من حقب التاريخ قد حظي بإجماع جميع مواطنيها

وحتى في الدول الديكتاتورية التاريخ مثلما كنا، لم يجرؤ نظام عاقل أبداً أن يزور نتيجة استفتاء دستوري ليعلن الموافقة على الدستور بالإجماع وكان يتوقف دائماً عند ال 99% الشهيرة، وعملياً في أي دولة ديمقراطية تعد الموافقة في أي استفتاء بنسبة تتجاوز الثلثين اكتساحاً تصويتياً نادراً.

تعالوا معي إلى هذا التمرين العقلي الافتراضي باستخدام المنطق البسيط، هل يمكن بطريقة ما أن نشكل جمعية تأسيسية من 100 عضو تعبر عن جميع أحزاب وطوائف وفئات المجتمع بشكل متساو دون اعتبارات الأغلبية والأقلية؟ وهل يمكن تجاوز هذا الاعتبار بعد التشكيل؟ وهل يمكن كذلك تجاوزه عند التصويت على مشروع الدستور في الاستفتاء العام؟

وفكروا أولاً في هذه الأفكار:

هل تعلم أن مصر بها 26 نقابة مهنية وعدد أكبر كثيرا من النقابات العمالية الرسمية منها والمستقلة، فضلاً عن اتحادات الصناعات والغرف التجارية والسياحية؟ هل تعلم أن مصر بها 12 جامعة حكومية على الأقل بها عدد ضخم من الكليات والتخصصات ويتوزع منتسبوها بين الطلبة وأعضاء هيئات التدريس؟ هل تعلم أن مصر بها 27 محافظة؟ هل تعلم أن ما قد يعتبره البعض أقلية أو فئة خاصة أو مهمشة في مصر يضم النساء والشباب والأقباط والمعاقين والصعايدة والفلاحين والنوبيين وبدو سيناء ومطروح والواحات؟

هل تعلم أن مجموع الأحزاب الرسمية المصرية حوالي 50 حزباً أو أكثر؟ وهل تعلم أن عدد الأحزاب التي نجحت منها في الوصول إلى مقاعد البرلمان لا يتجاوز ال21 حزباً؟ وبناء عليه فإننا في معرض التمثيل السياسي الحزبي إن حاولنا تطبيق مبدأ التمثيل المتكافئ للأحزاب في الجمعية التأسيسية دون اعتبار لما حققته من أصوات خلال الانتخابات البرلمانية سنجد أن الأحزاب الغير ممثلة في البرلمان يجب أن تحوز مقاعد في الجمعية التأسيسية أكثر من تلك المنتخبة من الشعب!

هل تعلم أن أغلب قيادات الهيئات المفترض بها أن تمثل في جمعية تأسيسية هي قيادات "منتخبة" داخل هيئاتها وبالتالي حصلت على ثقة "أغلبية" أعضاء هذه الهيئات لا إجماعهم؟ وبالتالي فإن هناك أقلية داخل هذه الهيئات كان لها رأي أو تصور أو اتجاه آخر لن يمثل داخل الجمعية التأسيسية. وعلى سبيل المثال فإن نقيب المهندسين فاز بالمنصب محققاً نسبة 50,45% من مجموع الأصوات الصحيحة مما يعني أن "أقلية" مقدارها 49,55% من المهندسين اختارت آخر أو آخرين ليعبر عنها؟

حسناً، كيف يمكن أن تتخذ هذه الجمعية قراراتها في التصويت على مواد الدستور؟

دعنا نفترض أننا بمعجزة ما نجحنا في تمثيل كل ما يمكن حصره من تيارات سياسية أوفئات مجتمعية داخل الجمعية التأسيسية (التي لا تتجاوز 100 عضو) على قدم المساواة، هل سيتطلب إقرار كل مادة من مواد الدستور إجماع جميع أعضاء الجمعية التأسيسية؟ أم أن التصويت سيكون بالأغلبية بدرجاتها؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يتساوى صوت ممثل حزب كالحرية والعدالة حصل على ثقة أكثر من عشرة ملايين من المصريين بصوت حزب الأحرار الذي فشل في أن يحصل على ثقة أي مصري! بمعنى واضح،، طالما أن الجمعية ستلجأ في أعمالها للتصويت وحسم خلافاتها حول الدستور بأغلبية الأصوات،، كيف يمكن أن تكون تركيبة الاتجاهات السياسية والفكرية داخل الجمعية مغايرة لأوزان هذه الاتجاهات داخل المجتمع ؟

لنتجاوز هذه المعضلة ونفترض أننا بمعجزة ما نجحنا في كتابة مشروع للدستور يحظى بإجماع الأعضاء ال100 في الجمعية التأسيسية وتم عرضه على استفتاء عام شارك به عشرون مليوناَ من المصريين، ما هي أعلى نسبة موافقة يمكن أن نتوقعها على مشروع الدستور؟ إن 99% نسبة خيالية ولكنني سأفترضها على سبيل التمرين العقلي. هل تعلم ما معنى هذا؟ إنه يعني أن 200 ألف مواطن مصري قد رفضوا هذا الدستور بأكمله، فهل يطعن ذلك في شرعية الدستور أو في حجيته على الدولة و المجتمع؟ بالطبع لا.
فقل لي إذا، ما هو السبب الذي يجعل من أصوات وقيمة 100 مصري أهم من أصوات وقيمة 200 ألف مصري آخر؟ أم أن غرض التوافق المزعوم مطلوب فقط لصالح نخبة معينة عالية الصوت لديها النفوذ والوصول إلى الإعلام بغض النظر عن الوزن الاجتماعي الحقيقي الذي تمثله تلك النخبة؟
الحقيقة أن المنطق يقول لنا دائماً أنه لم ولا ولن يوجد دستور في أي بلد بالعالم يحظى بإجماع المواطنين في هذا البلد ولذلك فإن الدساتير شئنا أم أبينا توضع بالأغلبية لأنه دائماً وأبداً ما توجد أقلية رافضة له وكل ما نستطيع فعله في هذا الإطار هو توسيع الأغلبية المتقبلة للدستور قدر ما نستطيع وتضييق الأغلبية الرافضة

ثانياً: الأغلبية متغيرة والدساتير ثابتة

 وهي فرضية نصف حقيقية فبالفعل الأغلبيات متغيرة وليست ثابتة ولكن من قال أن الدساتير عمل جامد ثابت لا يتغير هو الآخر؟
الدستور الأمريكي وهو من الدساتير القصيرة أهم جزء فيه هو ما أضيف إليه من تعديلات (وهي سبعة وعشرين تعديلاً) منها عشرة تعديلات تمت بعد إصداره بنحو أربع سنوات فيما سمي (وثيقة الحقوق Bill of Rights) وفرنسا شهدت خمسة جمهوريات بخمسة دساتير مختلفة منذ الثورة واستمر فيها دستور الجمهورية الرابعة ما لا يزيد عن اثني عشر عاماً وحتى مصر كتبت ما يقرب من ثمانية دساتير خلال تسعين عاماً كان أهمها دستور 23 ودستور 54 الذي لم ير النور أبدا ودستور 71. وحتى ذلك الأخير الذي كان يسمى بالدستور "الدائم" شهد تعديلات على عشرات المواد أعوام 1980 و2005 و2007.

كل ما هنالك أنه ولكي يكون هناك شكل من أشكال الاستقرار في النظام السياسي جرت التقاليد أن تتطلب عمليات كتابة الدساتير (أو تعديلها) أغلبيات كبيرة خاصة (أغلبية الثلثين في أغلب الأحوال) لأن الأغلبية المطلقة العادية (51%) يسهل أن تتغير إن تغيرت التركيبة السياسية ل 2% فقط من الممثلين المنتخبين للشعب.

وطبعاً كلما زادت نسبة الأغلبية المؤيدة لمشروع الدستور كلما زاد ذلك من استقرار النظام السياسي الذي يبنيه الدستور لكن الوصول لإجماع حول الدستور هو أمر مستحيل كما أن ثبات الدستور أمر مستحيل لاستحالة ثبات الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي في أي مجتمع اللهم إلا في المقابر!

وحتى إن أذعنا عقولنا لفكرة تغير الأغلبية وتوجهاتها الرئيسية فإن هذا المنطق ينسحب حتى على الإجماع! فإن افترضنا اجماع رأي الشعب على دستور اليوم ، ما الذي يحول دون تغير التوجه العام بعد بضع سنين أو بضع شهور إلى اتجاه آخر؟ فكما يمكن أن يغير عشرون مليوناً من المصريين رأيهم في الدستور يمكن أن يغير خمسون مليوناً أيضاً رأيهم فيه!

ثالثاً: البرلمانات لا تضع الدساتير

ترتكز هذه الفرضية على أن البرلمانات هي أحد السلطات التي ينظمها ويؤسس لها الدستور  وبالتالي لا يصح له أن يتحكم في الدستور الذي يؤسس له صلاحياته، وهذا مردود عليه

أولاً: لأن أعضاء البرلمان ليسوا أعضاء مؤبدين في مواقعهم ولكنهم يتغيرون بعد كل دورة برلمانية وليس من المنطق أن تسعى الأغلبية البرلمانية لمنح البرلمان صلاحيات دستورية مبالغ فيها على حساب المؤسسات الأخرى في حين أنها قد تضحى بعد فترة انتخابية واحدة أقلية برلمانية أو تضحى في سدة الرئاسة وخصومها يسيطرون على البرلمان.

ثانياً: أن كل المؤسسات والهيئات التي يمكنها أو يفترض أن تشارك أو تؤثر في كتابة الدستور هي أيضاً من مؤسسات الدولة التي ينظم لها الدستور أوضاعها وصلاحياتها وما ينطبق على البرلمان ينطبق عليها إلا أن البرلمان في حالتنا يتميز عن ما سواه بهيئة ناخبين تبلغ 50 مليون مصري شارك منهم 30 مليون في انتخابه وحسب ما نعلم فإن أكبر مشاركة في انتخابات النقابات المهنية كانت بنقابة المهندسين والتي شارك بها مائة ألف ناخب.
وعالمياً كتب دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لجنة عينها رئيس الجمهورية المنتخب بهدف إنهاء حقبة نظام الحكم البرلماني للجمهورية الرابعة وغني عن الذكر أن مؤسسة الرئاسة أيضاً مؤسسة من مؤسسات الدولة التي ينظمها الدستور.

ثالثاً: أن أهم خاصية يجب أن تتوفر فيمن يتولى عملية كتابة الدستور هي أن يكون ممثلاً منتخباً من الشعب. فما هو الفارق الجوهري بين جمعية تأسيسية منتخبة مباشرة من الشعب وبين برلمان منتخب عدا الإسم؟ الفارق الوحيد هو معرفة الناخبين عند ذهابهم لانتخاب الجمعية التأسيسية أنهم يفوضونها في كتابة الدستور (ربما بدون استفتاء الشعب أصلاً كما في الحالة التونسية) وهو أمر متحقق في حالتنا لأنه كان معلوماً منذ نتيجة استفتاء مارس أن أول برلمان سيكون مفوضاً في اختيار الجمعية التأسيسية التي ستكتب الدستور.

رابعاً: أنه عالمياً لدى أغلب البرلمانات الديمقراطية سلطة تعديل أو كتابة الدستور بأغلبيات خاصة ، والدستور الألماني كتبه البوندستاج كما أن التعديلات ال 27 التي أضيفت للدستور الأمريكي والتي تشكل أهم أجزائه بإجماع خبراء الدساتير تمت بواسطة الكونجرس.

رابعاً: الدساتير تكتب بالتوافق

"التوافق" هي الكلمة السحرية التي طالما أتحفنا بها النخبويون المصريون العظام دون أن يعطينا أحدهم تعريفاً محدداً وواضحاً لها لندرك عن ماذا يتحدث وماذا يريد.

لذا سأحاول هنا أن اقترب من الفكرة كما أراها وكما أفهمها وصولاً لتصور واضح حول كنه المصطلح.
مرادف الكلمة بالانجليزية (Consensus) و حسب وكيبيديا فهي آلية مطاطة من آليات اتخاذ القرار تتراوح قاعدة اتخاذ القرار بها من اشتراط الإجماع حتى تفويض شخص مسئول بالقرار متضمنة أيضاً قاعدة الأغلبية الكبيرة بمستوياتها المختلفة (من60 % حتى 90%).

لكن  ما يميز التوافق حقاً عن التصويت الطبيعي هو الحق في النقاش والمشاركة في ابداء الرأي واتخاذ القرار لجميع الأطراف وصولاً إلى قرارات مقبولة من الجميع أو إلى حلول وسط ما كان ذلك ممكناً.
هذا الحوار هو ما يجعل الأطراف المختلفة تتقبل متطلبات بعضها البعض و تتفهم هواجس بعضها البعض، فتحاول الوصول إلى نقاط اتفاق حول ما لا يمكن التنازل عنه وما يمكن التفاوض بشأنه. وصولاً إلى الحد الأدنى من القبول العام (تقبل ما لا تتبناه، التعايش مع ما تختلف معه، وتفهم ما ترفضه).

إذن، ما يتطلبه صناعة دستور توافقي من آليات لاتخاذ القرار حول صياغة مواده يمكن تلخيصه وتبسيطه في الآتي:

أولاً: الحوار وإبداء الرأي في الموضوع لكل طرف من الأطراف هو مفتاح فكرة التوافق ، غلق باب المناقشة في الموضوع دون أن يتاح لكل فرد في المجموعة المنوط بها صنع القرار إبداء رأيه وتصوراته هو أول ما ينفي عن آلية اتخاذ القرار أنها توافقية.

ثانياً: محاولة الوصول إلى ما هو مشترك بين جميع الأطراف وتثبيته في الدستور والابتعاد عن نقاط الخلاف التي يمكن عدم التطرق لها في الدستور وإحالتها إلى القوانين (وهو سلاح ذو حدين)

ثالثاً: محاولة الوصول إلى تسويات وحلول وسط بقدر الإمكان في المواضيع المختلف عليها

رابعاً: تأمين أغلبية كبيرة (لا تقل عن الثلثين) في اتخاذ القرارات التي لم يمكن الوصول فيها إلى نقاط اتفاق.

وغني عن الذكر أن كل هذه المتطلبات (فيما عدى الرابع) غير مرتبطه بنسبة تمثيل أي طرف في الجمعية التأسيسية فلو أن حزباً ما له ممثل واحد فقط في الجمعية وجب أن يتاح له كل الفرصه للتعبير عن رأي ومتطلبات وأفكار كل من يمثلهم، وأي جمعية تأسيسية من بديهياتها وجود لجان استماع تسمح لكل مواطن قد لا يرى في أعضائها من يمثله بشكل كامل بأن يشارك في عملية صناعة القرار بخصوص مواد الدستور.
أما المطالبة بتمثيل أطراف أو اتجاهات بالجمعية التأسيسية بأوزان تخالف الواقع السياسي والمجتمعي فلا علاقة لها بالتوافق، لأن الوصول إلى التوافق يأتي عبر حوار تقتنع خلاله الأغلبية بالحلول الوسط المستهدفه لا أن يتم فرض اختيارات ما عليها نخبوياً أو سلطوياً.

وحتى عندما لا توجد إمكانية الاجماع أو الوصول إلى حلول وسط فيما هو مختلف عليه (وحينها نلجأ للتصويت وحسم اختيارات الأغلبية) فإن النقاش الموسع والمستفيض الذي يسبق التصويت يكون كاشفاُ للمواقف المجتمعية المختلفة ولطبيعة التناقض الذي سيشكله هذا الاختيار الدستوري مع بعض الفئات المجتمعية مما يمهد للتعامل مع هذه التناقضات وتلافي آثارها السلبية على التماسك السياسي والاجتماعي للدولة في المستقبل.

خامساً: الأغلبية ليست دائماً محقة

حينما تطرح فكرة أن الاتساق مع الديمقراطية يقتضي منا أن نخضع لحكم الأغلبية فيما لا يمكننا أن نصل فيه إلى اتفاقات أو حلول وسط غالباً ما تواجه بأسئلة من عينة (يعني هل من حق الأغلبية مثلاً أن تكتب دستوراً ينفي الأقباط؟) أو (معنى كلامك أن من حق فرنسا تمنع الحجاب؟) وهي أسئلة تهدف إلى إسقاط الحكم القيمي لصاحب السؤال على اتجاهات الأغلبية.
هذا الأسلوب في التفكير يفترض دائماً أن هناك إجماعاً بشرياً ما على كنه الحق والباطل، الصواب والخطأ وهو ليس صحيحاَ لأنه من المؤكد أن أي أغلبية في أي لحظة تاريخية تنحاز انحيازاً معيناً تكون مؤمنة بأن هذا الإنحياز هو عين الحق والصواب.
ولنوضح الفكرة ببساطة سنلجأ لتمرين عقلي على واقع فرنسي (قوانين فرنسا ضد الحجاب في المدارس والنقاب في الأماكن العامة)،، إن أغلبية الشعب الفرنسي تدعم هذه الإجراءات وتراها صواباً لأنها من انتخبت الحكومات التي مررتها.

أما وأننا نرى في لك ظلماً بيناً فإن نزع هذا الظلم لا يكون بفرض أوضاع قاهرة مضادة لما تراه هذه الأغلبية، ولكن ذلك يكون أولاً بالعمل على تغيير توجه تلك الأغلبية نحو ما نراه نحن صواباً سواءً تم ذلك عبر تغيير القناعات أو عبر الضغط السلمي، وغني عن الذكر أن هذه الآليات الديمقراطية في التغيير تحتاج سنيناً طويلة من العمل الدؤوب في تغيير الرأي العام  عبر الالتحام بالناس، وهو بذل لا يبدو أن نخبتنا مستعدة له بأي حال فترى أن يكون التغيير فوقياً ومفروضاً على جموع الناس.

الحقيقة هي أن أي دستور لن يخلوا أبداً من تناقضات مع توجهات فئات أو مجموعات ما داخل المجتمع، لكن نتيجة هذه التناقضات وآثارها السياسية والمجتمعية تتوقف على طبيعتها وشدتها ومدى اتساع تأثيرها ومدى إدراك الأطراف المختلفة لها ومدى قدرتها على احتوائها أو تعميقها.

وتتراوح تأثيرات هذه المتناقضات بين مشاعر من الاستياء بين عشرات الأشخاص يتم التعبير عنها بالطرق السلمية حتى بركان غضب عارم بين ملايين الأشخاص يعبر عن نفسه بحرب أهلية وانقسام في الدولة.
ولا يشترط أبداً أن تظهر نتيجة هذه التناقضات فورياً عند إقرارها (دستورياً أو قانونياً أو تنفيذياً)، لأن معظم الآثار التي تنتج عن هذه التناقضات تحتاج أعواماً وربما عقوداً طويله ليظهر أثرها في المجتمع.

ولكن أكبر ضمان لتفريغ أية أخطار مجتمعية أو صدامات محتملة نتيجة عن هذه التناقضات التزام جميع الأطراف بالآليات والضمانات الديمقراطية من حرية التعبير عن الرأي وحرية اختيار الحكومات عبر انتخابات شفافة ونزيهة وحرية تغييرها عبر ضمان دورية الإنتخابات. وإلتزام الجميع أيضاً بتقبل نتائج هذه الديمقراطية والخضوع لرأي الأغلبية المجتمعية الوقتية.

هذه الضمانات هي أكبر حام لاستقرار النظام السياسي وللسلم المجتمعي، لأن أقلية إسلامية غير راضية عن النظام السياسي ستظل تعمل تحت مظلته طالما يتيح لها الحق في محاولة تغيير المجتمع (عبر حرية التعبير عن الرأي) نحو توجهاتها ومن ثم تطبيق برامجها ومبادئها عندما تصل إلى الحكم بعد الحصول على تأييد أغلبية مجتمعية، وبالمثل ما دام النظام يتيح للاشتراكي أن يطبق اشتراكيته عند حصد الأغلبية وهكذا. فالديمقراطية تسمح لكل فئة اجتماعية بالتعبير عن مظالمها أو مطالبها أو رؤاها وبحشد المجتمع نحو التغيير الذي تراه ضرورياً وبالتالي تضمن أن تصحح نفسها بنفسها.

ويجب أن أذكر هنا تعبيراً قرأته على تويتر معناه أن وعي الشعوب يتطور مثل الأطفال، عبر الشعور باللسع مع التجربة، لذلك فإن تغيير اتجاهات الرأي العام من جهة لأخرى لا يكون إلا عبر خوض التجربة فعلاً وتقييم نتائجها بالأساس لا عبر المناظرات الإعلامية أو الثقافية. كان على الألمان أن ينتخبوا الحزب النازي لكي تقنعهم التجربة بالآثار الوخيمة للسياسات الفاشية وكان على الفرنسيين أن يعيشوا 12 عاماً من التخبط وعدم الاستقرار السياسي في ظل الجمهورية الرابعة ليعلموا أن النظام البرلماني الخالص غير مناسب لبلادهم. وهكذا كان تطور الديمقراطية دائماً وتصحيحها لنفسها عبر التجربة والخطأ.

ولكي لا يبدو كل ما سبق مجرد تمارين عقلية هوائية أردت أن أتمعن في تجربة من سبقونا إلى كتابة دساتير وبناء نظم ديمقراطية وكيف كانت تناقضاتهم وصراعاتهم  عبر النظر لتاريخ الدولة صاحبة أقدم دستور مكتوب في العالم منذ كتابة هذا الدستور وما واكب ذلك من تناقضات وآثارها المجتمعية والسياسية والدستورية.

ماذا فعل الآخرون بدساتيرهم ؟

كتب دستور الولايات المتحدة عندما اجتمع 55 ممثلا منتخباً عن اثني عشر من الولايات الأمريكية الثلاثة عشرفي ذلك الوقت في مؤتمر فيلادلفيا (بين 14 مايو حتى 17 سبتمبر من العام 1787) الذي كان معنياً أساسا بمراجعة بنود اتفاقية الكونفيدرالية التي كانت تحكم العلاقة بين الولايات وبين الكونجرس القاري الذي يمثلها وهي الاتفاقية التي خطها الكونجرس القاري عام 1777 بعد سنه واحده من إعلان الاستقلال واستغرق الأمر 4 سنوات أخرى ليتم التصديق عليها من الولايات وكانت هي بمثابة الدستور الأول لأمريكا بعد الاستقلال. إلا أن جيمس ماديسون وألكسندر هاميلتون وآخرين كانوا ينوون الدفع نحو تأسيس شكل جديد من الحكم الاتحادي لأمريكا وهو بدأ المناقشات التي نشأ عنها في النهاية دستور الولايات المتحدة وأسست لشكل الحكومة الفيدرالية الحالية.

وفي مؤتمر فيلادلفيا هذا مجموعة من الملاحظات والمفارقات المستحقة للتأمل:

الملاحظة الأولى تتعلق بأن مؤتمر فيلادلفيا (الجمعية التأسيسية الأمريكية) كان مكوناً من ممثلين منتخبين من الولايات، وكونهم منتخبين يعني بالضرورة أن كان لهم بين الناس مؤيدين (أغلبية) ومعارضين (أقلية).

الملاحظة الثانية أن أقلية إقليمية (هي ولاية رود أيلاند) رفضت المشاركة أصلاً في المؤتمر التأسيسي وقاطعته    

الملاحظة الثالثة أن مجموعة من أهم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة (مثل توماس جيفرسون وجون أدامز وجون هانكوك وصامويل أدامز) غابوا عن المؤتمر ومنهم من توجه له بانتقادات حادة ومن تشكك في النوايا خلفه.

الملاحظة الرابعة أن من حضروا هذا المؤتمر هم جميعاً من رجال السياسة ولم يطالب أحد بأن يضموا إلى المصوتين أحداً من "الفقهاء الدستوريين" (تخيلوا أن الأمريكيين كتبوا دستورهم دون مشاركة نور فرحات وثروت بدوي وإبراهيم درويش وتهاني الجبالي ويحيى الجمل!) بل إن الرجل الذي كتب مسودة الدستور وصاغها بيده (جيمس ماديسون) لم يكن إلا سياسياً من فيرجينيا في سن ال36 لم يدرس القانون إلا على سبيل الإطلاع ولم يعمل به قط. وهؤلاء الساسة تولوا فيما بعد مناصب تنفيذية كبرى في الحكومة فرئيس المؤتمر (جورج واشنطن) أصبح أول رئيس للولايات المتحده وجيمس ماديسون كان الرئيس الرابع وتولى ألكسندر هاميلتون وزارة الخزانة الأمريكية.

الملاحظة الخامسة أن عدد الذين وقعوا على وثيقة الدستور بنهاية المناقشات لم يتجاوز 39 عضواً من أصل 55 مشاركاً في المؤتمر بأغلبية 70% (هل ترون تشابهاً ما؟) من الحاضرين وبلغ رفض الأقلية الحد الذي جعلهم يمتنعون عن التوقيع على الوثيقة الناتجة عن المناقشات، وحتى أغلب هؤلاء الذين وافقوا لم يكونوا راضين بشكل كامل عن النتيجة التي توصلوا إليها والتي تكونت عبر مجموعة من الحلول الوسط وقد عبر بنجامين فرانكلين عن رأيه في النتيجة الدستورية بقوله:

"There are several parts of this Constitution which I do not at present approve, but I am not sure I shall never approve them. ... I doubt too whether any other Convention we can obtain, may be able to make a better Constitution. ... It therefore astonishes me, Sir, to find this system approaching so near to perfection as it does; and I think it will astonish our enemies..."

"هناك أجزاء عديده من هذا الدستور لا أوافق عليها حالياً لكنني لست متأكدا انها لن تحظى أبداً بموافقتي، وأشك أيضاً أن يستطيع أي مؤتمر آخر نعقده أن يصنع دستوراً أفضل"

هذا فيما يتعلق بالشكل والإجراءات ونتائج التصويت فماذا عن ملاحظات ومفارقات وتناقضات المضمون؟

كان محور الخلاف الرئيسي الذي دار حوله الخلاف في مؤتمر فيلادلفيا هو الاستقطاب الذي حدث بين "الفيدراليين" الذين كانوا يهدفون إلى إنشاء حكومة مركزية موحدة وقوية وبين "اللا مركزيين" الذين سعوا للحفاظ على استقلال الولايات واستقلالية الفرد عن تدخل الحكومة في حياته أو في أمواله (وذلك مرجعه تاريخياً لأنهم كانوا مـتأثرين بروح ثورة الولايات الأمريكية على طغيان الحكم المركزي للامبراطورية البريطانية)، 
وهو استقطاب يمكن لمن يتابع السياسة الأمريكية بتمعن أن يدرك أنه ممتد حتى اليوم وترى أثره بوضوح في التناقض الدائم بين الديمقراطيين الذين يدعمون دائماً دوراً  اجتماعياً أكبر للحكومة في الإقتصاد وبين الجمهوريين الذين يسعون دائماً لتقليص تدخل الحكومة في الاقتصاد والمجتمع بكل سبيل وهو استقطاب معكوس الأقطاب فيما خص السلطة الأمنية للحكومة مقابل الحريات الفردية.

ومن أهم الهواجس التي كانت محفزة لتخوفات اللا مركزيين  خضوع الحكومة المركزية لنفوذ الولايات الكبيرة من حيث عدد السكان على حساب الولايات الصغيرة. ,وأيضاً معارضتهم لتأسيس جيش مركزي كبير وقوي يمكن أن يستخدم في قمع المواطنين أو إخضاع الولايات لقهر الحكومة المركزية.

فما هي الحلول الوسط والتسويات التي نتجت من تفاعل هذه الاستقطابات والتناقضات؟

أما عن التناقض بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات فقد تم حله عبر تبني إنشاء غرفتين للكونجرس إحداهما (النواب) تمثل فيه كل ولاية بعدد من النواب يتناسب مع عدد سكانها والأخرى (الشيوخ) تمثل فيه جميع الولايات على قدم المساواة بنفس العدد من النواب (نائبين لكل ولاية).
كما نتج عنه نظام انتخاب رئيس الدولة الذي يقوم على أن تنتخب كل ولاية مجموعة من الممثلين في مجمع انتخابي يقومون بانتخاب رئيس الجمهورية، وهو النظام الذي بسببه يحسب المرشحون فرصهم في الفوز حسب الولايات المؤيدة لكل منهم لا حسب الناخبين (من النتائج الشهيرة لهذا النظام فوز جورج بوش الابن على آل جور في انتخابات عام 2000 في حين أن الأخير كان قد حصل على أكثرية أصوات أفراد الناخبين)

أما أمر الجيش المركزي القوي فقد تم حسمه بالتجربة التاريخية عندما دخلت أمريكا في مطلع القرن التاسع عشر نزاعات مسلحة مع فرنسا وبريطانيا وإسبانيا اضطرتها لدعم جيش مركزي كبير وقوي.

هذا عن الحلول، فماذا عن التناقضات؟

كان أكبر تناقض موجود بين الولايات وبعضها البعض أن عدداً من الولايات الأمريكية الجنوبية كانت تسمح وتنظم امتلاك العبيد الأفارقة لمواطنيها البيض، بالمخالفة لإعلان المبادئ الأمريكي المسمى (إعلان الاستقلال 1776) الذي نص على أن كل البشر سواسية. حتى أن من خط وثيقة الدستور الأمريكي (جيمس ماديسون) كان أحد هؤلاء السادة المالكين للعبيد. وهو تناقض يشي بأن الأمريكيين لم يكن بإمكانهم في ذلك الوقت التوحد حول قيمة إنسانية بسيطة مثل قيمة المساواة بأغلبية تتيح لهم إنشاء الدولة. مما أدى إلى استمرار وجود هذا التناقض في الدستور وأصبح هناك ولايات حرة وولايات عبودية.

ناهيك عن أن الآباء المؤسسين في أكبر دولة ديمقراطية منذ ذلك الوقت لم يجدوا ما يدفعهم لمنح النساء حقوقهن السياسية عند كتابة دستور بلادهم.

واستغرق الأمر نحو قرن من الزمان ليتحرر العبيد ونحو قرن آخر ليحصل الأفارقة الأمريكيون على حقوقهم المدنية والسياسية كاملة، أما النساء فلم يحصلن على حقوقهن السياسية إلا بعد مرور نحو قرن ونصف القرن من نشأة الولايات المتحدة الأمريكية.

كيف تفاعلت التناقضات؟

على العكس مما قد يتمناه البعض (وأنا منهم) فإن العبودية لم تنته في الولايات المتحدة عبر تغيير تثقيفي أو نصح قيمي من قبيل قول عمر (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟) ولكنها انتهت كنتيجة للتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الناتج عن وجودها.

كان امتلاك العبيد الأفارقة لدى الجنوبيين ميزة تنافسية كبيرة لصالح اقتصاديات الزراعة في هذه الولايات لتوفر العمالة الكثيفة القوية منعدمة التكاليف مقارنة بما كان يجب على الشماليين تحمله من تكلفة أجور للمزارعين شكلت عبئاً وعائقاً شديداً على الإستثمارات الزراعية الشمالية. وغذت مع الوقت مشاعر العداء لنظام الرق في الولايات الجنوبية لدى الشماليين.

هذا التنافس الشمالي الجنوبي انعكس أيضاً في ضم ولايات جديدة فقد حرص الجانبان مع توسع أمريكا وضمها لولايات جديده على تعزيز موقفهما بمحاولة ضم تلك الولايات إلى مجموعته (الولايات الحرة وولايات العبيد) مما حافظ على التوازن بينهما وأجج الاستقطاب في ذات الوقت.

كما أن هذا الضغط على الزراعة الشمالية دفع المستثمرين الشماليين لتوجيه أموالهم في اتجاه الاستثمار بالصناعة والاعتماد عليها حينما كان أقرانهم الجنوبيون يعيشون حياة رغدة من عوائد استثماراتهم الزراعية منخفضة التكاليف. ومع مرور الوقت تحولت الولايات الشمالية إلى مجتمعات صناعية وبقيت تلك الجنوبية مجتمعات أقرب إلى الزراعية. ونعلم جميعاً اليوم من قراءة التاريخ كيف أن المجتمعات الصناعية أغنى وأكثر تطوراً وقوة ونمواً من تلك الزراعية. وهو ما كان محفزاً اجتماعياً نحو صعود النموذج الشمالي ليصبح أكثر قبولاً عن ذلك الجنوبي، وهو ما كان وتغيرت توجهات الأغلبية.

رفض قرارات الأغلبية والحرب الأهلية الأمريكية.

مع مرور الوقت ونتيجة لما سبق نما اتجاه سياسي كبير في الولايات المتحدة يهدف إلى إنهاء الرق وعبر هذا الاتجاه عن نفسه عام 1854 بتأسيس الحزب الجمهوري الأمريكي، وكان أن ترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1860 أحد رجالات هذا الحزب ويدعى إبراهام لينكون.

ولكن السياسيين في الجنوب كانوا قد قرروا مسبقاً عدم الانصياع للديمقراطية أو القبول بنتائجها وأضمروا الانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية حال فوز الجمهوريين بالرئاسة وهو ما كان وانفصلت ساوث كارولينا ثم تبعتها عشر ولايات أخرى لتشكل "الولايات الكونفيدرالية الأمريكية" وهي الدولة التي أضحت الطرف الثاني أمام الولايات المتحدة في الحرب الأهلية الأمريكية. كان الصدام هو النتيجة الحتمية لرفض نتائج الديمقراطية ورأي الأغلبية.

(للمفارقة التاريخية فإن معارضي الرق هم من قبلوا بنتيجة الديمقراطية حين كانت الأغلبية مع إبقائه وأن أنصار العبودية هم من أنقلبوا على نتائجها حين تغيرت توجهات الأغلبية وتعارضت مع مصالحهم وأهوائهم)

وبعد ما يزيد على 600 ألف قتيل وعدد ضخم من الجرحى وحرق آلاف المنازل انتهت الحرب إلى انتصار الشمال (الذي كان قد أضحى أقوى للسياق التاريخي السابق) وإخضاع ولايات الجنوب وتم إنهاء العبودية عام 1865 بالتعديل الثالث عشر على الدستور الأمريكي.

الكونجرس والدستور

الدستور الأمريكي أحد الدساتير القصيرة الغير مفصلة (كتب الدستور كله على وجهي ورقة كبيرة واحدة) ولذلك تعد التعديلات المضافة إليه هي أهم جزء فيه (النظام الدستوري الأمريكي يقضي بإضافة أية تعديلات جديدة على الدستور دون حذف أو تعديل النص القديم)

والجهة صاحبة الحق الأصيل في إقرار أية تعديلات هي الكونجرس بغرفتيه،  ويتطلب تمرير التعديل من الكونجرس الموافقة عليه بأغلبية الثلثين. ثم ليصبح التعديل نافذاً يجب التصديق عليه من ثلاثة أرباع الولايات الأمريكية. ويحدد الكونجرس الاتحادي طريقة تصديق الولايات بأحد اختيارين، إما موافقة المجلس التشريعي للولاية أو التصويت العام للمواطنين داخل الولاية، ولم تستخدم الطريقة الثانية سوى مرة واحدة في التعديل رقم 21 عام 1933 من أصل 27 تعديلا على الدستور.

وعبر التاريخ الأمريكي تقدم للكونجرس نحو عشرة آلاف اقتراح بتعديل دستوري (نعم رأى عشرة ألاف أمريكي ما يستحق التعديل بدستور بلاده). لكن لم يتخط منها كل الخطوات اللازمة لإقرار التعديل سوى 27 تعديل فقط كان منها عشرة تعديلات دفعة واحدة وافقت عليها الولايات من أصل 12 تعديلا أرسلها لها الكونجرس عرفت ب "وثيقة الحقوق"  وقد تم التصديق عليها بعد اربعة سنوات فقط من الدستور عام 1791. (حدثني عن أن البرلمانات لا تضع الدساتير أو أن الدساتير دائمة مرة أخرى)

ماذا إذن؟

 كان هذا مجهودي في إطار هدم الأساطير  المتعلقة بالدساتير مرة أخرى بمناسبة حملات النصب العاتية التي نسمع لها ونقرأها بمناسبة تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور. وحتى أكون واضحاً، فإنني أكتب هذا لأن أغلب الانتقادات والمسلمات البارزة والمبرزة في وسائل الإعلام وعلى ألسنة الملقبين ب "فقهاء الدستور" محض نصب وأساطير.

والحقيقة أن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الأغلبية البرلمانية في تشكيل الجمعية التأسيسية (ونتج عنها كل الخطايا اللاحقة) كان رضوخها للضغوط المشتركة من الحكام العسكريين والخصوم السياسيين في الاجتماع الشهير بين رئيس الأركان ورؤساء الأحزاب وقبول كتابة الدستور قبل انتخابات الرئاسة (بالمخالفة لترتيبات الاستفتاء) وهو ما نتج عنه أولاً تأجيل تسليم السلطة لعام كامل عقب انتخاب البرلمان، ثم لما نجحت الضغوط الشعبية عقب مليونية 18 نوفمبر وأحداث محمد محمود في تقديم هذا الموعد إلى آخر يونيو جاء ذلك على حساب الوقت المتاح لتشكيل الجمعية التأسيسية وكتابة الدستور. وعليه قرر الاجتماع المشترك لغرفتي البرلمان في بداية مارس أن تستغرق عملية تشكيل الجمعية التأسيسية ما لا يزيد عن ثلاثة أسابيع من أصل ستة أشهر متاحة (ولم يعترض وقتها أحد أو ينسحب بل فعلوا ذلك عندما رأوا أن حصتهم ليست كما طمعوا). وهذا الضغط في الجدول نتج عنة التسرع في الاختيار وبالتالي فقدان الشفافية في توضيح ومناقشة معايير الاختيار وفقدان أهم آليات التوافق (وهي النقاش العام وحق الجميع في إبداء الرأي) مما أدى إلى خروج التشكيل دون وضوح في المعايير وبالتالي دون ثقة في أنه أفضل تشكيل ممكن. وهي الخطيئة التي أتمنى أن تستغل الأغلبية حكم القضاء الإداري (غير المختص وغير المعني بالأمر بالمناسبة) بوقف تنفيذ الجمعية في تداركها سياسياً عبر توسعة المدى الزمني المتاح لتشكيل الجمعية إلى مهلته الأصلية (حتى بداية سبتمبر) لاستنفاذ كل الوقت والجهد الممكن بذله في التوافق على التشكيل والالتزام بخارطة طريق الاستفتاء وتحقيق المطلب الثوري بألا يأتي الدستور تحت حكم العسكر.

ولكن، من أنا لكي أدعوك أن تقرأ ما أكتب أو تفكر فيما يعرض عليك من أفكار أو أن تتدبر في التاريخ يا صديقي؟ لنلق كل هذا الكلام وراء ظهورنا ونردد ما يلقننا إياه أسيادنا الذين في الإعلام:
الدساتير لا تكتب بالأغلبية، الدساتير دائمة وليست متغيرة، البرلمانات لا تكتب الدستور، أنت مو أنت وأنت جوعان.

هذا، وعلى الله قصد السبيل
عبدالرحمن عبدالودود، مدينة الشيخ زايد، 25 أبريل، العام الثاني للثورة

الخميس، 22 مارس 2012

أنـــــــــا والـبـــرادعــي والـنــــــــــــــاس

العبد لله ربما يكون أحد أكثر المصريين انتقاداً وتعليقاً وهجوماً على شخص وفكر ومواقف محمد البرادعي منذ 12 فبراير 2011 حتى تاريخه (أستثني من ذلك أحمد سمير وإبراهيم الجارحي) وهو أمر أثار استغراب واستهجان كثير من أصدقائي وأحبائي ممن يقدسون الرجل أو حتى ممن يعارضونه  فظنوا بي الظنون حيث كان وما زال رأي هؤلاء أن مواقفي منه مبنية على كراهية شخصية غير موضوعية (ربما عززها الأسلوب الهجومي في انتقاده) وأنني أتجنى على الرجل أكثر مما ينبغي. وفيما يلي محاولة لتجميع أفكاري حول الرجل وقيمته وتحليلي لمواقفه وأسباب هجومي عليه لعلي أبرئ ذمتي أمام الله وأمام الناس من أن أكون كارها للرجل حقداً أو غبناً.

اجتماع تأسيسي للجمعية الوطنية للتغيير

وجدير هنا أن أذكر أنني وعلى مدى قرابة عام كنت أحد أكثر من حرصوا على متابعة لقاءات وحوارات الرجل الإعلامية وتصريحاته و"تويتاته" المختلفه ربما أكثر كثيراً من غالبية البرادعاوية المخلصين وذلك لرغبة مني واهتمام صادقين بما لدى الرجل ليقدمه من رؤية. وكان من أكثر ما يستفزني في ما يخص الرجل وما يزال هو تبني مؤيديه لكل ما يرفع قدر الرجل ونشره بصفته خبراً مؤكداً وإن لم يكن صحيحاً دون تثبت أو تحقق من المصادر الأصلية للأخبار وهو مسلك لا يقل سفاهة عن مسالك معارضيه ممن يفعلون المثل بما يحط من قدره دون تثبت.
يحضرني هنا أن أذكر إحقاقاً للحق أن صورة البرادعي تأثرت عموما بمواقف وأساليب مؤيديه والمحيطين به ربما أكثر مما تأثرت بمواقف وأداء البرادعي "الشخص" وهو ما لا يعفيه من المسئولية لأن هذا كان نتيجة طبيعية لفراغ دائم  خلفه غياب "الشخص الأصيل" عن المشهد وتفاصيله أغلب الوقت، وهو فراغ ملأه أداء وفكر "الوكيل" ممثلا في الدائرة السياسية والإعلامية المحيطة به وجمهور مؤيديه.

وفيما يلي استعراض للأسباب التي دفعتني لاتخاذ هذه المواقف من الرجل بشكل ربما يبدو ظاهره أنه مبالغ فيه:

أولاً: خيبة أمل عريضة تجاه الرجل مقارنة بما كان منتظراً منه.

قل لي إن كنت أهلاوياً متحمساً، إذا ما أضاع لاعب من الأهلي انفراداً مباشراً بالمرمى ، من سيكون اللاعب الأكثر احتمالا أن يحظى بسبابك الكروي المتشنج إذا كان هو من أهدر الهدف ( جدو أم حسام عاشور)؟! من الجلي لأي متابع للكرة أنك لن تفاجأ كثيراً إذا ما أهدر عاشور هدفا أو انفراداً، أنت لا تنتظر منه ذلك بل على العكس أنت ستفاجأ كثيرا وتحييه بحراره إذا ما أحسن التصرف في الكرة، أما جدو فأنت تنتظر منه التهديف، هذا دوره وهذه إمكانياته ولن يكون من السهل عليك تقبل إهداره للفرص.
أي أن خيبة الأمل تجاه أي شخص تتناسب طردياً مع التوقعات المرجوه منه وكما تقول أمثالنا الدارجه: غلطة الشاطر بألف، وقد ارتكب محمد البرادعي في تقديري خلال العام الماضي ما يرقى إلى الجرائم في السياسه وليس مجرد أخطاء.
كثيراً ما تعرض العبد لله لنقد حاد من كثير من أصدقائي حول تركيزي مع شخص محمد البرادعي وانتقادي له دون سواه من السياسيين وتلقيت كثيرا من التقريع يطالبني بانتقاد غيره ، ولا أدري ما هي أهمية أن أنتقد شخصاً مثل توفيق عكاشة مثلاً؟ هل أقلق على مصير البلاد من تأثير قراراته وأفكاره السياسيه على مناصريه ال 200 في حين أرى ما أعتبره "عكاً" منقطع النظير من أحد أهم القيادات السياسية تأثيرا في الطبقة الوسطى والعليا؟!
أريد أن أقول بمنتهى الوضوح أنني أرى أن محمد البرادعي كان يوم 12 فبراير 2011 أكثر مصري مؤهل لكي يصعد إلى مقعد قيادة الثورة التي ولدت بلا قائد وكان أكثر السياسيين المؤهلين لكي يكون محل توافق التيارات السياسية المختلفة كرئيس جديد للبلاد ، كان هو شخصياً الرئيس التوافقي الذي يبحثون عنه الآن، كان هو المرشح الرئاسي الذي كان في ذهن معظم قادة الإخوان أن يدعموه عندما قرروا أنهم لن يتقدموا بمرشح من داخلهم.
ولكن الرجل (وبنجاح منقطع النظير يحسد عليه) أن يصبح طرفاً في الاستقطاب عوضاً عن أن يكون نقطة للتوافق ، نجح عبر 11 شهرا قضاها كمرشح محتمل في أن يتحول من أبرز مرشح إلى ناشط على "تويتر"، نجح في أن يبتعد عن الناس عندما كان يجب عليه أن يقترب منهم، وحقق إعجازاً في مجال العلاقات العامة بعد أن نجح في اجتذاب كراهية ألاف من نخبة ونشطاء الإسلاميين ممن لم يكن لهم معه قبل ذلك خصومة. هذا فضلا عن نفور قطاعات لا بأس بها إطلاقاً من اليساريين والقوميين.
لقد خيب الرجل أمالي فيه أنا وآخرين وبشدة ونجح في خنق خياراتي الوطنية والسياسية إلى حيث خندقي الفكري الأساسي.
هل قد يغير ذلك شيئاً من رأي الدراويش والمريدين؟ بالتأكيد لن يغير هذا رأي من يرى أنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان وأن الرجل قد فعل كل ما كان يجب أن يفعله كما كان يجب أن يفعله.

ثانياً: تقديس الرجل من قبل مناصريه وإنزاله منازل هو ليس لها

أحد أكثر الأشياء استفزازا في ظاهرة محمد البرادعي هي حالة "الدروشة" التي يتعامل بها مؤيديه معه، بداية من عناصر النخبة السياسية والإعلامية التي تكاد تفرضه علينا فرضا وصولاً إلى قطاعات الشباب الإنترنتي الذي أصبح تأييد البرادعي بالنسبة لهم نوعاً من أنواع الموضة وشكلاً من أشكال الوجاهة الشخصية.
دعك طبعاً من الفكرة التي ظلت ترعبني وهي أنني سأستبدل رئيس "أول طلعة جوية" برئيس "أول من نادى بالتغيير" أي أن تستمر فكرة تحصين الحاكم بناء على سابقة أعماله ضد النقد أو الهجوم! وهو أمر شديد الاستفزاز خصوصا إذا ما اقترن بشخصنة الثورة ومن ثم الوطن في فرد واعتباره الأمل الأول أو الوحيد!
للرجل دور لا شك يستحق التقدير والشكر عليه في النضال ضد نظام مبارك ليس لصاحب هذه السطور أن يزايد عليه لكن تضخيم هذا الدور ووصفه بغير ما فيه به ظلمٌ شديد للألاف من المناضلين ممن كان لهم السبق في النضال وقت أن كان محمد البرادعي ينعم بمزايا منصبه الدولي المرموق ويتم استقباله بحفاوة داخل قصر العروبة ليحني رأسه متلقياً قلادة النيل من مبارك ثم يرفعها مثنياً عليه وعلى حكمته في إدارة البلاد ( آه ، عذراً ، لقد نسيت أن مبارك لم يكن سيئاً أبداً قبل 2010 عندما قرر البرادعي أن يعارضه). خاصة عندما نضع في الاعتبار أن الوضع الدبلوماسي الدولي للرجل قد  وفر له حماية من التنكيل لم تتوفر لأقرانه ممن وقفوا في وجه الظلم والطغيان.
وقد تم ذلك عبر إنتاج مجموعة من الأساطير في صورة عبارات معلبة تنسج حول الرجل هالة من القداسة الوطنية.
أول هذه العبارات وأكثرها استفزازا هي أن (البرادعي هو أول من نادى بالتغيير)! وهي عباره دعت الدكتورة هبة رؤوف عزت أحد أكثر رموز الثورة حلماً وتعقلاً وخلقاً أن تصفها أخيراً بأنها "مذهلة حقاً" وهو لفظ شديد حين يصدر من هبة رؤوف لو كنتم تعلمون، أما حين تقع مثل هذه العبارة على أذن عصبية  مثل أذني فإن ماكينة الأصوات السكندرية الأصيلة الموجودة داخل أنفي تصبح هي الشيء الوحيد الذي يمنع إصابتي بالشلل.
البرادعي هو أول من نادى بالتغيير في مصر، لم أكن أعلم أن ال300 مؤسس لحركة كفاية الذين أسسوها تحت شعار (لا للتمديد ، لا للتوريث) عام 2004 كانوا يطلبون التغيير في لعبة المزرعة السعيدة!. لم أكن أعلم أن أيمن نور وخيرت الشاطر كانا يقضيان وقتاً رائعاً في طره من أجل مطالبتهم بالكاتشب مع الطعام!. لم أكن أعلم أن المسيري كان يقاتل في المظاهرات وقد تجاوز السبعين والسرطان ينهش جسمه من أجل تغيير زوجته بشابة فاتنه!، لم أكن أعلم أن أبو الفتوح وصباحي وقفا أمام السادات لكي يتقدما لخطبة ابنته وأنهما قضيا عمرهما في الكفاح بين اتحادات الطلاب والنقابات والبرلمان بهدف جمع ثمن الشبكة! لم أكن أعلم أن مجدي أحمد حسين كان يقضي وقته في السجن الحربي عندما عاد البرادعي لمصر لرغبته في أن يتمكن العسكريون من إطالة شعورهم كذيل الحصان! (من هو مجدي أحمد حسين أصلاًََ هو السؤال الذي يدور في أذهان البعض الآن؟) ، أما الإخوان المسلمون فقد اتضح لنا جميعاً أن كل من عذبوا وقتلوا وشردوا وأضطُهدوا منهم عبر ستة عقود فعلوا ذلك بهدف التأهل للدوري الممتاز حتى يتمكنوا من مشاهدة الأهلي ولاعبيه رأي العين في الملاعب!
البرادعي هو (ملهم - قائد – مفجر) الثورة! وهي عبارة أخرى مذهلة تثبت لنا كيف أن مفجري الثورات وقادتها غالباً ما لا يكونون موجودون وقت اندلاعها! (خاصة عندما يكون هذا الوقت محددا مسبقاً بل وتم توجيه الدعوة لهم للمشاركة في يوم الإندلاع) ، وهؤلاء غالبا ما لا يشاركون في أكثر من 10% من فعالياتها! هو أمر لن أبذل كثيراً في دحضه لأن الحقيقة أن أحداً إلا الله (ولا حتى من دعوا ونظموا ليوم 25 يناير) كان يعلم أنه سيتحول إلى ثورة حقيقية قبل هذا اليوم ولا ألوم أحداً لم يشترك قبل جمعة الغضب، لكنني أتشكك كثيراً في أن أفترض أن "قائد" ثورة يناير لم ينزل ميدان التحرير أو أي ميدان آخر بعد جمعة الغضب وحتى التنحي سوى مرة واحدة فقط!  ، وعموماً أنا أدعوا من لم يقرأ كتاب وائل غنيم عن الثورة أن يفعل ذلك حتى يدرك دور الرجل الحقيقي في ترتيب هذه الأحداث.
أيضاً من العبارات الرائعة التي كانت تجعل المرء يفخر حقاً بالعقليات التي أنتجتها تشبيه البرادعي برواد وقادة التغيير العالميين أمثال غاندي ونيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينج! حقاً؟! غاندي؟َ! هل حاول أحد هؤلاء أن يقرأ سيرة غاندي على "ويكيبيديا"؟ أخبروني كيف تضاهي تويتات البرادعي 20 عاماً أمضاها غاندي مناضلاُ من أجل حقوق الهنود بجنوب إفريقيا أعقبها بما يزيد عن 40 عاماً من النضال من أجل استقلال الهند انتهت بالاستقلال فعلاً واغتياله؟ كيف تضاهي 27 عاماً قضاها مانديلا في سجون ظالميه؟ كيف تضاهي السنين التي قضاها كينج مناضلاُ في الشارع من أجل الحقوق المدنية للسود والتي أنهاها هو الآخر صريعاً؟ إن هؤلاء لم يصنعوا سيرتهم بالنضال عن بعد والرجل أبعد ما يكون عن هذه النماذج حتى أن مقارنته بهم تعد إهانة لتاريخهم. بل إنني حتى لا أستطيع أن أقارن سيرته بنضال أنور السادات قبل ثورة يوليو لولا ما لحق بسيرة الأخير من دنس نتج عن دوره في إنتاج نظام ثورة يوليو نفسه والذي ما زلنا نعاني لإزالته حتى اليوم.
هل تغير انطباعك عن الدور التاريخي للرجل مقارنة بآخرين؟ عليك أن تعلم تاريخ الجميع أولا لكي تدرك كيف تظلم الرجل وتظلم غيره عندما تنزله منزلة هي ليست له.

ثالثاً: تاريخه الشخصي وتركيبته الفكرية والسياسية

هذا رجل ليس منا ولسنا منه ، كم مرة كتبت هذه الكلمة عن محمد البرادعي؟
 أكنت أنا من وصفه بأنه "خواجه"؟ أعتقد أن هذا كان عبدالحليم قنديل. هل أنا من قلت أنه يعتبر نيويورك وطناً؟ كلا إنه البرادعي نفسه في حديثه الشهير والكاشف مع النيويورك تايمز وتعليقاته التلقائية عن صداقاته المبكرة وعاداته الاجتماعية وأراؤه في بعض شعائرنا الدينية وهو الحوار الذي حاول كثيرون من دراويشه تجميله بشكل أو بآخر غافلين عن أننا نستطيع بسهولة قراءة الأصل الإنجليزي للمقابلة من على الإنترنت لنرى كيف تكلم الرجل بأريحية .
كانت رئاسة البرادعي للجنة تحكيم مؤتمر برلين السينمائي لاحقة على انسحابه من سباق الرئاسة المصرية ولكنه كان كاشفا جديدا لشخصية غربية التفكير حتى النخاع. حفلت مواقع التواصل بالتندر على قبلة البرادعي لأنجلينا جولي وأصبح الرجل "نمس" السياسه المصرية بين عشية وضحاها مع أن واقع الأمر هو ما قاله البرادعي نفسه في حديثه اللاحق على قناة النهار وهي أنه تصرف بتلقائية وبراءة تامة، فهكذا يسلم الرجال على النساء في ثقافته.
دعكم طبعاً من موضوع الفيلم الفائز بالجائزة نفسه وكيف أن الرجل لم يجد أي غضاضه أو حساسية دينية أو حتى ثقافية في أن يكون شريكاً في منح فيلم مثله جائزة دولية.
لقد حولت سنين الغربة الطويلة والعمل لعقود في العالم الغربي عقلية محمد البرادعي إلى عقلية غربية تماماً في جميع منطلقاتها وطريقة تفكيرها، وهو أمرٌ لا ضير منه إذا تعلق بعلماء كبار أمثال أحمد زويل أو مجدي يعقوب ممن ننتظر إسهامات عقولهم في نهضة هذه البلاد لكنه أمر شديد الخطورة في قائد سياسي ننتظر منه أن يكون الفاعل الأول في تشكيل هوية وثقافة مجتمعنا.
أما عن التاريخ المهني والعقلية السياسية فلم يغفل عقلي أبداً تأثير سنين عمله الطويلة في المنظمات الدولية على تفكيره السياسي.
أتعبت محاولات تأكيد أو نفي دور محمد البرادعي في التمهيد لغزو العراق معارضيه ومؤيديه على السواء، وهو غرق في تفصيلة تاريخية تصادف أن عاصرت عمل الرجل بالوكالة الدولية للطاقة الذ رية ، إن مكمن الخطر الحقيقي هو أن محمد البرادعي عبر سنين طويلة في موقعه ذلك أصبح ترساً في النظام العالمي الغربي الهوى والهوية والقيادة وهو بذلك أصبح خادماً للمصالح الغربية بمجرد وجوده كجزء من النظام بغض النظر عن رؤيتنا لشخصه. تماماً ككل من كان جزءاً من نظام مبارك لفترة طويلة، لا يعنينا كثيراً مقدار النزاهة أو الكفاءة التي تمتع بها فقد استخدمت امكانياته وكفاءاته تلك في خدمة نظام فاسد.
أصبح البرادعي مواطناً "دولياً" بامتياز يخدم نظامه الدولي هذا باخلاص وتفان ، يتحدث ببساطة عن التعاون الذي يلقاه من المخابرات المركزية الأمريكية في جمع المعلومات عن برنامج العراق النووي ويتحدث بكل حسم عن أن أي مقدار من عدم التعاون مع المفتشين الدوليين يجب أن يواجه دون تسامح،  ويذهب لزيارة إسرائيل ليجلس مبتسماً على مائدة الاجتماعات مع أرييل شارون. لا عجب أن يمنح الرجل جائزة نوبل فقد كانت خدماته في سبيل سلام العالم الغربي أكثر من جليلة.
لطالما تسائلت، هل فكر واحد ممن يتحمسون للرجل ويعدون حصوله على الجائزة المرموقة يوماً واحداً من مناقبه  أن يذهب إلى الموقع الرسمي للجائزة ليعلم لم تم منحها للرجل مناصفة مع وكالة الطاقة الذرية (الجهود المبذولة لمنع الانتشار النووي هي المؤهل لذلك). وهو عمل من أكثر الأعمال نبلاً، فقط عندما تقوم به مع كل دول العالم وليس مع مجموعة منتقاه بعناية.
لا أريد أن أبدوا متحاملاً ولكنني لا أستطيع أن أفترض حسن النية في دول تتمتع بغطاء المظلة النووية للناتو، وكأن الجائزة كانت ليقول هؤلاء: شكراً لكم على جهودكم المبذولة لمنع وقوع السلاح النووي بأيدي أعدائنا، فنحن نمتلكه بالفعل ونريد أن نستمر في امتلاكه منفردين.
وطبعاً لا يعيب تاريخ جائزة نوبل للسلام أنها منحت لسفاح معروف مثل هنري كيسنجر فقد سبق منحها لأشخاص ظرفاء وأطهار وأقرب إلى الملائكة في سلميتهم مثل مناحم بيجن وإسحق رابين وشيمون بيريز. هذا فضلاً عن ديكتاتور مصري  غير منتخب أسمه أنور السادات حصل عليها مكافأةً له على إبرامه صلحاً منفرداً مع إسرائيل رغماً عن أنف شعبه.
ولكي أضرب مثالاً على تأثير المواطنة "الدولية" على تفكير الرجل أذكر واقعة  تعود لشهور مضت  عندما بادر ثلاثة من النشطاء (إبراهيم الهضيبي و تميم البرغوثي ونوارة نجم) بمحاولة صناعة نقاط الحد الأدنى من التوافق الوطني المصري بتحديد 3 ثوابت وطنية في السياسة الداخلية والخارجية ليكون عليها إجماع وطني. وبدأت محاولتهم تلك بعرضها على مرشحي الرئاسة المحتملين.  كان أحد هذه الثوابت الثلاث هي مساندة الفلسطينيين و العداء مع إسرائيل. وافق أبو الفتوح وحمدين بدون تحفظ أما محمد البرادعي فكان عليه أن يتحفظ باضافة (في إطار القانون الدولي). لا يجب أبداً أن تخرج في سياستك الخارجية وعلاقاتك مع إسرائيل عن سقف القانون الدولي الذي رسمته القوى الغربية.
هذا رجل أصر لشهور طويلة أن يطلق من كل زقزقة عبر تويتر نسختين، واحدة بالعربية والأخرى بالانجليزية!
هذا رجل ليس منا ولسنا منه.
 كل ما سبق أيضاًُ قد لا يكون ذو تأثير عند من تركيبته الفكرية والثقافية غربية الروح ولو جزئياً لأنه يرى منطق الصواب والخطأ من نفس المنطلقات.

رابعا: أداء الرجل السياسي والإعلامي ومواقفه منذ تنحي مبارك حتى اليوم

أتذكر جيداً ليلة ساهرة من الليالي الأولى للثورة حين كنت جالساً بغرفة المعيشة ببيت صهري بالإسكندرية نتابع الجزيرة كالمعتاد ونتجاذب أطراف الحديث حين تساءل حموي عن من يصلح رئيساً للجمهورية بعد تنحي مبارك فإذا بزوجتي تقول دون تردد (عمرو موسى) فيشير لها أبوها بإبهامه معلناً أن رأيها قد وافق رأيه. "نهاااار اسود" كانت هي الكلمة التي دارت داخل ذهني. لا أتذكر كيف اتجه الحديث للبرادعي أو إن كنت توجهت أنا به له، ولكنني أتذكر تماماً أنني حاولت مجتهداً أن أحول تفكير زوجتي بعيداً عن موسى موضحاً لها أنه لا يعقل أن نطيح بمبارك ثم نأتي بمن عمل سكرتيراً له لعقد من الزمن. وبذلت وقتأً كذلك لكي أقنعها بالتغاضي عن (تهتهة) البرادعي والنظر إلى تفكيره. وهو ما أحسب أنني حققت فيه ما صبوت إليه وقتها، ولم أكن أعلم أن الرجل سيأتي إلى ما عملت من عمل ويجعله هباءً منثوراً بأفعاله وأقواله بعد ذلك.
لم يكن هناك في منتصف الصورة سوى البرادعي وموسى ولم يكن لدى الإسلاميين وأنصار المشروع الإسلامي مرشح فعلي إلا بعض الأحلام. وأذكر أنني كان أقصى طموحاتي "إسلامياً" وقتها أن يترشح شاب إسلامي وسيم ذو قبول إعلامي ونخبوي ويدعى "عصام سلطان" الذي لم يكن وقتها قد حاز شهرته تلك بعد. وفي تقديري الشخصي فإنه عندما قرر مجلس شورى الإخوان عدم التقدم بمرشح عن الإخوان المسلمين في انتخابات رئيس الجمهورية فإن محمد البرادعي كان هو ذلك المرشح التوافقي المستقر في ذهن أغلب قادة الجماعة لدعمه.
كان الرجل هو مرشح كل من يحلم أن يتجاوز مبارك بكل تركته بعد الثورة ولكنه نجح وبكفاءة عالية في أن يقتل كل فرصه لأن يصبح هو قائد هذه الثورة المنتخب حتى أنني قلت لواحد من أكثر من أحترمهم من مؤيديه يوماً إن الرجل يبدوا كما لوكان يسعى جاهداً لكي يخسر السباق! فكيف كان ذلك وكيف تحول الرجل من المرشح البارز إلى المرشح المنسحب؟

أولاً: مرشح فيينا والثائر الحاضر عبر الزقزقة!

لطالما كان أحد أكثر نقاط ضعف محمد البرادعي اعتباره وافداً على المجتمع المصري باغترابه الطويل عن مصر طوال فترة حياته المهنية والتي أتبعها بالنزر اليسير من الحضور داخل مصر حتى عقب تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير. وهو الغياب الذي كان مثار انتقاد شديد من زملائه في الجمعية مما جعل كثيراً منهم ينفض عن الرجل لهذا السبب تحديداَ وليس مثال حمدي قنديل وحسن نافعة ببعيد بل ووائل غنيم الذي كان يجد صعوبة في الوصول إليه ما جعله يضع ثقله خلف صفحة "كلنا خالد سعيد" بعيداً عن الارتباط بصفحة محمد البرادعي.
كان مبرر البرادعي لكثرة السفر خارج مصر والاكتفاء بإطلاق الزقزقات عبر تويتر مع إطلالة من آن لآخر عبر الفضائيات هو أن النظام كان يمنعه من تسجيل البرامج التليفزيونية والحوارات الصحفية داخل مصر، ناهيك عن القيود على حركته بالشارع، وهي حجة كانت مقنعة تماماً حتى  11 فبراير 2011
هل يعلم مؤيدوا البرادعي كم من مؤتمر جماهيري كبير حضره محمد البرادعي كجزء من نشاط حملته الرئاسية أو حتى كجزء من نشر الوعي بمشروعه السياسي  عبر نحو عام قضاها الرجل مرشحاً للرئاسة؟ صفر! نعم ليس ما أكتبه خطأً فلم يقم محمد البرادعي مرة واحدة مؤتمراً جماهيرياً مفتوحاً يتحدث فيه إلى الناس ويستمع فيه إليهم!
إن كل ما أذكره من نشاط ميداني لمحمد البرادعي عبر هذا العام قيامه بحضور اجتماع حاشد لأعضاء حملته الرئاسية في ساقية الصاوي وصلاة الجمعة في بلده الأم "أبيار" بمحافظة الغربية وزيارة ميدانية قام بها لأحد مناطق العشوائيات في حضور كاميرات 90 دقيقة وصاحبها عمرو الليثي!
رجل أمضى عاماً كاملاً مرشحاً للرئاسة ولم ينزل يوماً لامبابه أو شبرا أو عين شمس أو الهرم أو حلوان أو دار السلام ليتحدث إلى الناس، لم يطأ بقدمه مدينة الإسكندرية أو مدن القناة ولم يفكر أن يزور الصعيد أو يتجول في قرى الدلتا!
بل وحتى على صعيد العمل الثوري، فانه وعبر هذا العام كله لم يقدم المرجو منه لثوار يسعون إلى قيادة مقنعة ، فالرجل كان خارج مصر يوم 25 يناير وشارك  بداية من جمعة الغضب وزار الميدان ليوم واحد أثناء الاعتصام! ومنذ التنحي حتى اليوم لم تطأ قدمه أرض الميدان سوى وقت صلاة الجمعة يوم 25 نوفمبر التي أعقبت أحداث محمد محمود! أرجوكم أن تقارنوا ذلك بنشاط المرشحين الرئاسيين الآخرين داخل الميدان أمثال أبو الفتوح وأيمن نور والعوا وأبو اسماعيل وصباحي وبثينة كامل!
وحتى في أكبر وأهم معركة سياسية عقب التنحي (معركة الاستفتاء على تعديلات الدستور) وهي معركة مفصلية يتوقف عليها مصير الدستور،   فإن الرجل لم يبذل مجهوداً حقيقياً في الحشد لموقفه السياسي (بغض النظر عن رأيي في مضمون هذا الموقف) واكتفى ببعض ثوان مصورة في الفيديو النخبوي الشهير. أرجوك أن تقارن هذا الأداء بأداء سليم العوا الذي يماثله في العمر (والذي لم يكن مرشحا رئاسياً بعد في ذلك الوقت) حين ألقى نحو عشر محاضرات جماهيرية حاشدة في عشر محافظات مختلفه في الأيام السابقة على الاستفتاء ليشرح موقفه السياسي ويروج  ويحشد لصالح الاختيار الذي يرى فيه مصلحة للوطن. أما محمد البرادعي فقد قضى الأيام الأخيرة قبل أهم استفتاء في تاريخ مصر خارج البلاد كعادته وحتى حين عاد وتعرض للاعتداء عليه قبل الإدلاء بصوته ذهب إلى بيته كأي طفل باك بدلا من أن يصر على الادلاء بصوته ويتوجه للجنة أخرى ليصوت  فيها!
كان البرادعي غائباً عن التعليق أو متباطئاً عن اتخاذ موقف واضح في كثير من الأحداث الجسيمة والمفصلية وغالباً ما اكتفى بزقزقاته المبتورة دون محاولة جادة لتأصيل مواقفه السياسية فكرياً وتوضيح المغزى الوطني من ورائها.
كان غياب الرجل عن الواقع المصري نقطة ضعفه الكبرى ابتداءً وقد بذل كل ما يمكنه لكي يزيد من هذا الغياب بقدر ما استطاع.

ثانياَ: مع العسكر... (أخاصمك آه، أسيبك لا)

تبدوا الصورة الذهنية عن البرادعي لدى أغلب مناصريه أنه مناضل حقيقي ضد حكم العسكر ويضعونه على قمة المعارضين للمجلس العسكري مع انتقاده الدائم لسياسات وقرارات المجلس العسكري.
وبالنسبة لمعارض هصور للمجلس العسكري يبدو البرادعي أحد أكثرالسياسيين اجتماعاً بقادة المجلس العسكري فقد كان أحد الحضور في اجتماع المشير طنطاوي والفريق عنان الذي عقد في مارس عقب التنحي ممن عدوا رموزاً سياسية وطنية (حضره أيضاً الجنزوري وعمرو موسى وأحمد كمال أبو المجد وفاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية وسري صيام رئيس محكمة النقض وقتها ورجل الأعمال نجيب ساويرس) وهو اجتماع كما ترون لم يكن به رجل واحد محسوب على الثورة أو معارضة مبارك.
وكان الاجتماع الثاني الذي تحدث عنه البرادعي في لقائه مع الدكتور عمرو خالد على شاشة التليفزيون المصري صيفاً ولم نعلم ما مناسبته ثم كان اجتماعه مع المشير في نوفمبر عقب أحداث محمد محمود والذي لم يخرج أحد طرفيه ليخبرنا بتفاصيل ما دار فيه وأخيراً ما رواه أحد حوارييه (إبراهيم عيسى) في مارس 2012 من لقاء عابر مع اللواء مراد موافي رئيس جهاز المخابرات والذي يبدو أن الأخير قد نال فيه الرضى البرادعاوي لما شهدناه من مديح وتلميع للرجل عقب اللقاء من كل من إبراهيم عيسى وحازم عبدالعظيم.
كان البرادعي هو أول السياسيين البارزين اعتراضاً على الستة أشهرالانتقالية التي ألزم المجلس العسكري نفسه بها  في إعلانه الدستوري الأول الصادر في 13 فبراير 2011.   (Why the rush?) هو التعبير الإنجليزي الذي استخدمه ليستنكر الاستعجال في نقل السلطة لمدنيين منتخبين. وكان أول من طالب بأن تمتد الفترة الانتقالية لسنتين كاملتين حتى يتم تسليم السلطة للمدنيين بانتخابات حرة. وعلى عكس ما قد يتواتر لدى كثير من مناصريه فإن مطالبته بمجلس رئاسي انتقالي لم تكن هي المطالبة الرئيسية ولكن الفكرة كانت حرفياً كما أنقلها من حسابه على تويتر"اذا كان المجلس الاعلى مصراً على ترك إدارة البلاد بعد ستة اشهرفمجلس رئاسى هو الحل. الأهم وضع لبنات ديمقراطية حقة .يجب ان لا نكون أسرى لعامل الوقت". دعك من عبثية فكرة أن يرحل المجلس العسكري عن السلطة ليأتي إليها مجلس رئاسي من اختيار المجلس العسكري!

لا أدري هل كان البرادعي هو الوحيد في مصر الذي لا يعلم أن المجلس العسكري بكامل تشكيله معين من قبل مبارك؟ وأن استمرار العسكر في السلظة خطر حقيقي على الديمقراطية؟ وأن نفس هذا السيناريو هو ما حدث في بداية الخمسينيات لأن هناك من لم يكن مستعداً للانتخابات؟
لم تنته الكوارث عند هذا الحد، فالرجل صاحب الرؤية الثاقبة لم يكتف بأن يطلب من العسكر البقاء لفترة انتقالية طويلة لكنه أسس لنظرية أن يبقى العسكر معنا دستورياً للأبد، فلم أمسك الرجل يوماً مخطئاً عبر نضاله الطويل لكتابة الدستور قبل الانتخابات بالمطالبة الصريحة أن تكون الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور منتخبة من الشعب وهو ما يعني واقعياً وضع الدستور بكامله تحت رحمة العسكر.
ثم ما كان منه انتقل الرجل بسلاسة من تسليم الدستور للعسكر "ضمنياً" عبر تغطية فكرة أن يختاروا هم الجمعية التأسيسية دون انتخابات سياسياً إلى التنظير لكيف يفرضون سيطرتهم عملياً حين طرح الرجل عبر حواره للأهرام في إبريل فكرة أن الجيش يجب أن يكون هو الحامي لمدنية الدولة ، ومن أفضل من حماية المدنية من العسكريين؟!
ورغم أن الرجل كان أكثر نعومة من الطرح الفج لهشام البسطويسي حول وضع العسكر في الدستور فإنه مهد لما عرف بعد ذلك بوثيقة السلمي حينما خص مادة لوضع القوات المسلحة في وثيقته الدستورية التي من المفترض أنها تتحدث عن المبادئ الأساسية للدستور المعنية بهوية الدولة والحقوق والحريات! حاول أحد أصدقائي أن يجعلني أنظر للأمر بشئ من حسن النية ولكنني لم أبتلع أبداً لماذا تتحدث وثيقة مبادئ دستورية خالية من أي إشارة لنظام الحكم أو أي ذكر لأي مؤسسة من مؤسسات الدولة عن القوات المسلحة حصرياً دوناً عن كل تلك المؤسسات؟!
الخلاصة هي أن الرجل الذي يريد أن يقنعنا أنه معارض للعسكر أراد أن نستمر عامين تحت حكم العسكر أو تحت مجلس رئاسي يعينه العسكر ويريد أن تكتب جمعية تأسيسية معينة من العسكر دستوراً يقول أن الدولة المدنية هي تحت وصاية وفي حماية العسكر!
هل هناك فائدة من ذكر هذه المواقف لمن قد يكون الحكم العسكري الديكتاتوري أو الوصاية العسكرية المقنعة أحب إلى قلبه من أن يخضع للحكم الديمقراطي لخصومه الفكريين أو السياسيين؟!

ثالثا: من محور للتوافق إلى مشعل للاستقطاب

لأن نظام مبارك كان حريصاً عبر سنين حكمه على سحق أي قيادة يمكن أن تشكل بديلاً محتملاً لدى الناس حتى ولو كانت شخصاً ذو قبول أو شعبية من داخل النظام بداية من أحمد رشدي وأبو غزالة إلى عمرو موسى وأحمد جويلي وكمال الجنزوري. ولأنه أيضاُ عمل على إجهاض كل معارض يمكن أن يشكل بديلاً عن طريق السجن و التشهير والحصار الإعلامي والاستقطاب الفكري والوقيعة التنظيمية بحيث أصبحت معارضة مبارك ممزقة ومنقسمة على نفسها (راجع ماحدث داخل الوفد والأحرار والعمل والغد والناصري) ومن نجى من الانقسام الداخلي (الإخوان) لم ينج من العزل الإعلامي (المحظورة) والحصار المادي والقمعي (بأمن الدولة والمحاكم العسكرية)
لذلك كان الحل الذي تفتق عنه ذهن المناضلين ضد النظام مثل عبدالرحمن يوسف ويحيى حسين عبدالهادي هو إيجاد بديل للمصريين يكسر حالة وفكرة أن الأب لا بديل له سوى الوريث، وكان هناك ثلاثة متطلبات للبديل، أن يكون من خارج النظام السياسي القائم، وأن يكون مشهوراً بما فيه الكفاية ومعروفاً بين المصريين وأن لا يكون طرفاً في الاستقطاب الأيديولوجي والحزبي القائم محلياًً مما يؤهله لكي تتوافق حوله قوى المعارضة بمختلف توجهاتها، وكان محمد البرادعي هو هذا الرجل الذي لم يجد الإسلاميون والليبراليون واليساريون والناصريون حرجاً في الالتفاف حوله عبر إطار تنظيمي توافقي هو الجمعية الوطنية للتغيير.
كانت هذه هي ميزة الرجل الكبرى فكيف أصبح الرجل خلال عام رمزاً للخصومة مع التيار السياسي الأكبر في البلاد؟
بدأت أول نذر الاستقطاب بالحديث عن المادة الثانية من الدستور المصري. و كان من أشعل الحديث حولها – على عكس ما هو مشهور – خطاب رسمي أرسله أسامة الغزالي حرب (أحد السياسيين المقربين من البرادعي) بصفته رئيس حزب الجبهة الديمقراطية آنذاك إلى المجلس العسكري يطالب فيه بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري وذلك بعد مرور اسبوع واحد على التنحي.
وبدلا من أن يحاول البرادعي أن يمتص توجسات الإسلاميين حول الأمر وتخوفاتهم فإذا بالرجل يصب مزيداً من الزيت على النار ليستنكر فكرة أن يكون للدولة دين! وهو أمر عجيب لأنه تطرق إلى الشطر الأكثر استقرارا من المادة الثانية وهو أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ! وهو ما كان دائماً جزءاً من دساتير مصر المعدة في 1923 و1954 و1971!
ولا بأس من أن نتطرق في نفس الإجابة إلى نصر حامد أبو زيد لنصفه بالعالم الفاضل لكي نتوافق أكثر مع التيار العريض في المجتمع.
وفي مقابلة لاحقة وفي محاولة منه لتدارك الأمر ونفي كونه ضد المادة الثانية تحدث عن الشطر الآخر من النص محاولاً تفسير كلمة "مبادئ الشريعة" الواردة في هذا الشطر ركزاً على كلمة "المبادئ" بأنها المبادئ الأخلاقية العامة المتضمنه في كل الأديان وقال نصاً (العدالة ، المساواه ، الصدق، الأمانة)  مما  أعطى إيحاء بانه يحاول أن يفرغ المادة من مضمونها بإحالتها إلى معان عامة غير ملتزمة بشريعة الإسلام. طبعاً دعك من أن هذا الكلام يتناقض مع تفسير المحكمة الدستورية العليا لنص كلمة "مبادئ" الواردة في المادة الثانية والذي قرر أن المبادئ هي الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
ثم كانت معركة الاستفتاء هي المواجهة الأولى الواسعة ضد شركائة السياسيين السابقين من الإسلاميين ، فقد اتخذ البرادعي قرار رفض التعديلات مع الجمعية الوطنية للتغيير دون تشاور مع أي طرف إسلامي ممن هم شركاء في الجمعية (الإخوان وحزب الوسط)
ذلك بالرغم من أن البرادعي كان يجب أن يكون أحد أكثر الناس إدراكاً لأهمية الوزن التنظيمي للإخوان في الشارع المصري خاصة بعد تجربته معهم في جمع التوقيعات لبيان الجمعية الوطنية للتغيير ونجاحهم منفردين في جمع 800 ألف توقيع في مقابل 300 ألف توقيع فقط قبل أن يتدخلوا بثقلهم.
وكان الأمر مثيراً للريبة فعلاً، ما هو الأمر الذي يخشى منه الرافضون للتعديلات حال وصول الإخوان لأغلبية حاكمة على وضع الدستور؟ لا يتعلق الأمر بنظام الحكم حتماًً لأن المعلن في ذلك الوقت من البرادعي والإخوان والوفد والجبهة وأغلب القوى السياسية هو مساندة نظام الحكم البرلماني.
وعبر عام كامل من الصراع السياسي أصبح محمد البرادعي وحوارييه من السياسيين والإعلاميين طرفاً رئيسياً في الاستقطاب السياسي في البلاد حتى أصبح الرجل رمزاً لكل السياسيين المناهضين للمشروع الإسلامي ككل. ولم يدخر الرجل جهداً في مواجهة اختيارات الإسلاميين السياسية على طول الخط وفي التشكيك في أي مكسب سياسي يحققونه على الأرض بداية من الاستفتاء الدستوري حتى الانتخابات البرلمانية التي علق على نتيجتها بأن البرلمان الناتج عنها لا يعبر عن الشعب! هذا بديهي يا سادة، تويتر هو الذي يعبر عن الشعب!
هذه المواقف حجزت للرجل مكاناً مرموقاً داخل نخبة (فيها لاخفيها) التي تتفنن في هدم المعبد على رؤوس الجميع ووضع العصا لتعيق العجلة طالما أنها ليست في مقعد قيادة العربة.
وحتى عندما ظهرت بارقة أمل للتوافق على يد بعض الشباب ممن بذلوا جهداً لتجميع أبرز مرشحي الرئاسة بأمل الوصول لخارطة طريق تخرج البلاد من نفق الحكم العسكري بعد ان انقضت الأشهر السته التي وعد بها العسكر إلى لا شيء أبى البرادعي إلا أن ينسحب من البيان المشترك الذي طالب بانتخابات الرئاسة عقب انتخابات البرلمان مباشرة لتقليص الفترة الانتقالية ونقل الحكم للمدنيين وأصر على موقفه المنفرد المطالب بالانتظار حتى كتابة الدستور أولا قبل انتخاب الرئيس.
ولأننا في عصر الاتصال حيث لكل واحد يملك كمبيوتر ويتصل بالانترنت جهازه الإعلامي الخاص الذي يمكنه منه المشاركة في الرأي العام، فإن وجود البرادعي عبر عام كامل في صفوف الطرف المقابل للتيار الإسلامي الذين كان على قواعد الإسلاميين مواجهتهم فكرياً وإعلامياً كل يوم عبر شهور جعل من المستحيل على هذه القواعد (وهي الأكثر تأثيراً وفعالية في تحريك الشارع المصري وتوجيهه) أن تتقبل الرجل أو أن تطيقه حتى لو رأت قياداتها التنظيمية غير ذلك!
بالاختصار، أصبح من المستحيل بيع الرجل للشارع المصري الإسلامي المزاج.
كل ما سبق لن يعني لك شيئاً أيضاً إن كنت غالباً لا تدري ما كنه التيار الإسلامي ولا تطيق الإسلاميين وتنظيماتهم وأفكارهم.

رابعاً: الدستور أولاً ... غصب عنكم

كل مواقف الرجل السابقة تهون في عيني تماما عندما أقارنها بموقفه من الاستفتاء على التعديلات الدستورية وأداؤه إزاءه قبل وبعد اجراء الاستفتاء.
دعك من أن لجنة طارق البشري بدت وكأنها صاغت هذه التعديلات لتلبي كل المطالب السبعة للتغيير التي طالب بها البرادعي نفسه ضمن الجمعية الوطنية للتغيير قبيل الثورة إلا فيما كان أمر تحقيقه متروكاً للقوانين والإجراءات الإدارية (مثل تصويت المصريين بالخارج)
دعك من موقفي الذي يعتبر الرجل قد شارك في أحد أكبر حملات التضليل والنصب على الشعب المصري باسم الشرعية الثورية في الدعوة لرفض تعديلات لجنة البشري وإسقاط دستور 71 (الذي لم يكن فيه أي ذكر لأي سلطة للمجلس العسكري بالمناسبة) وبالتالي إصدار إعلان دستوري مؤقت ليمهد لدستور جديد تماماً، رغم أن أي قارئ جيد للصحف يعلم تماما أن هذا أمر شكلي بحت لأن دستور 71 نفسه كان يحتوي بداخله على آليات تغيير مواده دون تحصين لأي مادة من التعديل أو الحذف (وقد استخدمت هذه الآليات في تعديل الدستور أعوام 1980 و2005 و2006 فعلاً) وكل ما كان يتطلبه الأمر انتخابات حره لبرلمان جديد يعبر عن الشعب ليقوم بتعديل كل مواد الدستور ويصبح لدينا دستور آخر.
دعك من أن حتى الحجة الشكلية سقطت عندما وضعت لجنة طارق البشري آلية كتابة دستور جديد تماما ضمن تعديلاتها وبشكل ديمقراطي يعبر عن إرادة الشعب.
دعك من أن كل الحجج المقابلة التي استخدمت ضد التعديلات كانت مجموعة من الأساطير (راجع الأساطير المؤسسه لدولة (لا) للتعديلات الدستورية) والتي أثبت الوقت أنها لم تكن سوى حجج البلداء الذين يعلمون أن لا وجود لهم في الشارع المصري ويريدون أن يقفزوا على الدستور دون جهد حقيقي على الأرض ودون رجوع لإرادة الشعب غير متورعين عن المخاطرة بإطالة الحكم العسكري ومخاطره على البلاد (هل يتذكر الجميع أن أول المذابح الكبيره "ماسبيرو" كانت بعد مرور مدة الشهور السته على الحكم العسكري؟)
دعك من أن الرجل لم يحاول بشكل جدي (مثلما لم يحاول معسكره كله) أن يوجد بديلاً ديمقراطياً حقيقياً عن طريقه يتم وضع الدستور أولاً كما كان يريد، لم يقدم لنا الرجل طرحاً بديلا يحوي معايير وآليات ينتخب بها الشعب جمعيته التأسيسية.  (لأن الهدف كان الهروب من سماع صوت الشعب واختياره من البداية).
دعك أيضاً من كل من أيد التعديلات لتحقيق الهدفين (إنهاء الحكم العسكري بأسرع وقت ممكن و كتابة الدستور عبر ممثلين منتخبين من الشعب) ودعك من الجهال الذين ضحك عليهم الشيوخ فاتبعوهم دون بصيرة أمثال طارق البشري وسليم العوا والمعتز بالله عبدالفتاح وأيمن الصياد وهبة رؤوف عزت و وحيد عبدالمجيد وعمرو الشوبكي وعلاء عبدالفتاح ومجدي أحمد حسين وعبدالرحمن يوسف وفهمي هويدي وأحمد مكي وأحمد خالد توفيق ومحمود الخضيري وعصام سلطان وإسلام لطفي، دعكم من كل هؤلاء العوام المضحوك عليهم باسم الدين.
دعكم من ذلكم كله وافترضوا أن كل هؤلاء لا يفقهون حديثاً ولا يعلمون شيئاً بالثورة ولا بالسياسه ولا بالقانون ولا بمصلحة الوطن وأن الرافضين فقط وعلى رأسهم صاحبنا هم من كانوا يرون الصواب.
المهم أن كل طرف قد أدلى بدلوه وطرح حجته كما عن له أن يطرحها وذهب الشعب المصري (صاحب الحق والقرار في هذه البلاد لمن لم يعد يتذكر)  يوم الاستفتاء ليقف في أطول طوابير التصويت في تاريخه كله ويدلي بقوله الفصل في الأمر والذي علمنا يوم 20 مارس أنه بالموافقة على التعديلات الدستورية بأغلبية ساحقة. وبالتالي الموافقة على خارطة الطريق التي اقترحتها لعبور المرحلة الانتقالية والتي تقضي بانتخابات برلمانية ثم رئاسية يعقبها جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد.
ما الذي تنتظره من رجل طالما قدم نفسه بل ورأيته بنفسك أحد أهم دعاة التغيير نحو الديمقراطية ونحو حق الشعب في أن يختار مصيره؟
هل تنتظر منه أن يقول لك أن رأيك ورأي أبيك ورأي أهلك ورأي غالبية المصريين ليس ذو قيمة؟ وأنك لست صاحب القرار في بلدك وأن عليك أن تذهب وتلقي إرادتك وإرادة ملايين المصريين في أقرب صفيحة قمامه لأنها لا توافق هوى حضرة صاحب "الرؤية" ؟!
كانت تلك وما زالت أكبر صدماتي في الرجل ومواقفه على الإطلاق ، لم تمض أيام قليلة على إعلان نتيجة الاستفتاء حتى زقزق الرجل من جديد بأنه لا بد من وضع الدستور أولاً ، تمسك الرجل بموقفه وضغطه هو ومعسكره على الأرض بكل قوة لتنفيذ مساره الذي اختاره والذي قرر أنه يجب أن يمر عبر كتابة الدستور أولاً قبل إجراء أي انتخابات ضارباً بأصوات الناس عرض الحائط. تحدث الرجل بهذا علناَ وطالب به صراحةً بل دعم وحرض على مظاهرات واعتصامات تهدف لتحقيق هذا المطلب والانقلاب على إرادة الشعب، ك.نحن لا وزن لنا إذا ولا رأي طالما تعارض رأينا مع رأي صاحب نوبل والرؤية الثاقبة!
شككني يوماً أحد أكثر أصدقائي تحمساً للبرادعي في كون أن الرجل كان يحاول فرض رأيه علينا وأفهمني أن الأمر لا يعدوا أن يكون مجرد نوع من الثبات على المبدأ دون المطالبة بتطبيقه فعلا فعدت بنفسي إلى زقزقات الرجل عبر تويتر لكي أراه بأم عيني يكتب مطالباً بالدستور أولاً بعد نتيجة الاستفتاء بأيام قليله وكأن شعباً لم يتخذ قراراً. وهي عموماً كانت حجة واهية لأن الذين يحترمون إرادة الشعب وكانوا على نفس موقفه قبل الاستفتاء قالوها صراحة وبوضوح عقب النتيجة (كان موقفنا قبل الاستفتاء أن يكون الدستور أولاً ولكن الآن نحن مع أن تنفذ إرادة الشعب بأن تكون الانتخابات أولاً) وكان من هؤلاء المتسقين مع أنفسهم ومع إيمانهم بحق الشعب في تقرير مصيره (مثالاً لا حصراً عمرو حمزاوي وعبدالمنعم أبو الفتوح)
وعندما لم يبد أن الضغط في هذا الاتجاه يؤتي المرجو منه ابتدع لنا الرجل من ضمن المبتدعين وثيقته للمبادئ فوق الدستورية (أو المبادئ الأساسية) التي من المفترض أن تكون غير قابلة للتغيير أو التعديل وهو ما كان أيضاً صادماً بكل مقياس فلم أتصور بالضبط من يظن  نفسه ذلك الشخص (أو الأشخاص والأحزاب) الغير منتخبين الذين يقررون بأنفسهم أن يضعوا مبادئ لدستور الشعب المصري لا يملك هذا الشعب أن يغيرها!
يعلم أغلب الناس مسارات الأحداث بعد ذلك وكيف أن هذا التجاذب والصراع السياسي (الغير منطقي) وفر الغطاء للمجلس العسكري ليؤجل الانتخابات بأقصى ما يستطيع ويطيل المرحلة الانتقالية بما نجم عن ذلك من خسائر وطنية في الأرواح والأموال والأمن.

وخــــــــــــتــــــــــامـــــــــــاً

عزمت على كتابة هذه التدوينه منذ أعلن البرادعي الانسحاب من السباق الرئاسي وكنت أنوي أن أتضمنها نظرة أكثر عمقاً في الرجل وظاهرته و برؤيتي عنه (وطنيا - مفكرا – مناضلا – سياسياً - مرشحاً).
ولكنني بعد تفكير قررت أن تقييمي لتاريخ الرجل أو طبيعة أدواره المهنية أو السياسية ليس مهماً لأن موقفي الحاد منه كان مبنياً على أداء ومواقف محدده ولربما تغير كثيراً لو اختلفت هذه المواقف. أما تقديري للرجل مهنياً أو سياسياً فهو أغنى عن ما قد يطويه من مدح وأرفع عن ما قد يحويه من قدح.
يظل الرجل  رغم كل العتاب والمآخذ أحد القامات المصرية العالية في الديبلوماسية والقانون الدوليين وأحد من صدحوا بالحق في وجه الظلم ووقفوا في مواجهة النظام  فاتحاً باباً للأمل وقت أن دب اليأس في نفوس كثيرين. وسيظل دائماً أحد العقول المصرية البارزه التي يجب أن نستأنس برأيها وفكرها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
أسأل الله أن يغفر لي ما قد أكون تجاوزت به عليه أو على مريديه متشدداً فيما رأيته تفريطاً في الحقوق او اجتراءً عليها معتذراً بأنني لم أطق أبداً أن نستبدل فرعوناً بآخر أو صنماً بوثن راجياً من كل صديق أن لا يعلق أمله أبداً بأحد غير الله. وأن يجعل ثقته بعد الله في الشعب وإرادته الجمعية لا بشخص مهما كان. خاصةً وقد لمست انتشار ما كنت أمقت وجوده في أنصار البرادعي - من حالة الدروشه والتعلق بالأشخاص بشكل يكاد يكون مطلقاً – بين أنصار مرشحين آخرين منهم من أسانده بالفعل وأرجو الله أن لا يكون ذلك مستقراً في الوجدان لخطر ذلك على مستقبل تمسك الشعب بحقوقه في وجه حاكميه
هل سيغير ما كتبته من رأي أحد أو هل سيقرأه أحد؟ لا أظن أنه سيغير كثيراً من الانطباعات والمواقف المسبقة لكنني فقط أبرأ بما أكتب إلى الله.


وأخيراً أتطلع أن يأتي اليوم الذي تعود فيه أشد خلافاتنا عصبية هي تلك المتعلقة بالأهلي والزمالك وبمن كان يحظى بمحاباة الحكم و  أسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وأن يهدينا بعد انتهاء غبار كل معاركنا السياسية هذه إلى أن نعامل بعضنا بعضاً كعمل يوسف مع إخوته إذ قال لهم لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرحمين


 هذا ، وعلى الله قصد السبيل،
عبدالرحمن عبدالودود، مدينة الشيخ زايد، 23 مارس، العام الثاني للثورة